سيد محمد طنطاوي

181

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقال : هذا في سبيل اللَّه . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأسامة بن زيد : أقبضه ، فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « إن اللَّه قد قبلها منك » . وأعتق عبد اللَّه بن عمر نافعا مولاه ، وكان أعطاه فيه عبد اللَّه بن جعفر ألف دينار ، قالت صفية بنت أبي عبيد : أظنه تأول قول اللَّه - تعالى - * ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) * . وقال الحسن البصري : إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون « 1 » . وهكذا نرى أن السلف الصالح قد قدموا ما يحبون من أموالهم وغيرها تقربا إلى اللَّه - تعالى - وشكرا له على نعمائه وعطائه ، فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم . ثم عاد القرآن الكريم إلى الرد على اليهود الذين جادلوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في كثير من القضايا ، بعد أن ذكر في الآيات السابقة طرفا من مسالكهم الخبيثة التي منها تواصيهم فيما بينهم بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره ، وقد حكى هنا جدلهم فيما أحله اللَّه وحرمه من الأطعمة فقال - تعالى - : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 93 إلى 95 ] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِه مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّه الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 94 ) قُلْ صَدَقَ اللَّه فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 ) ذكر بعض المفسرين أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال « لليهود في معرض مناقشته لهم : أنا على ملة إبراهيم . فقال بعض اليهود : كيف تدعى ذلك وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها ؟ فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله . فقالوا : كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 133 .